أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
186
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قال الشيخ : قال ابن الأنباري : « ويجوز أن يكون « كَذلِكَ » مستأنفا غير مشار به إلى ما قبله ، فيكون المعنى : وهكذا زيّن . قلت : والمنقول عن ابن الأنباري : أنه مشار به إلى ما قبله ، نقل الواحدي عنه ، أنه قال : « ذلك » إشارة إلى مانعا ، اللّه عليهم من قسمهم ما قسموا بالجهل ، فكأنه قيل : ومثل ذلك الذي أتوه في القسم جهلا وخطأ ، زيّن لكثير من المشركين ، فشبّه تزيين الشركاء بخطائهم في القسم . وهذا معنى قول الزجاج . وفي هذه الآية قراءات ، والمتواتر منها ثنتان ، الأولى قراءة العامة « زَيَّنَ » مبنيا للفاعل ، و « قَتْلَ » نصب على المفعولية ، و « أَوْلادِهِمْ » بالإضافة ، و « شُرَكاؤُهُمْ » رفع على الفاعلية ، وهي قراءة واضحة المعنى والتركيب . وقرأ ابن عامر : « زَيَّنَ » مبنيا للمفعول ، « قتل » رفعا على ما لم يسم فاعله . « لولاهم » نصبا على المفعول بالمصدر ، « شُرَكاؤُهُمْ » خفضا على إضافة المصدر إليه فاعلا ، وهذه القراءة متواترة صحيحة . وقد تجرأ كثير من الناس على قارئها ، بما لا ينبغي ، وهو أعلى القراء السبعة سندا ، وأقدمهم هجرة . أما علو سنده فإنّه قرأ على أبي الدرداء ، وواثلة بن الأسقع ، وفضالة بن عبيد ، ومعاوية بن أبي سفيان ، والمغيرة المخزومي . ونقل يحيى الذماري أنه قرأ على عثمان نفسه . وأما قدم هجرته فإنّه ولد في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وناهيك به أن هشام بن عمار أحد شيوخ البخاري أخذ عن أصحاب أصحابه ، وترجمته متسعة ذكرتها في شرح القصيد ، وإنّما ذكرت هنا هذه العجالة تنبيها على خطأ من رد قراءته ونسبه إلى لحن ، أو اتباع مجرد المرسوم فقط . قال أبو جعفر النحاس : « وهذا - يعني الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف ، أو غيره لا يجوز في شعر ولا غيره » . وهذا خطأ من أبي جعفر ، لما سنذكره من لسان العرب . وقال أبو علي الفارسي : « هذا قبيح قليل في الاستعمال ، ولو عدل عنها - يعني ابن عامر - كان أولى ، لأنهم لم يفصلوا بين المضاف والمضاف إليه بالظرف في الكلام مع اتساعهم في الظروف ، وإنما أجازوه في الشعر . قال : وقد فصلوا به - أي بالظرف - في كثير من المواضع ، نحو قوله تعالى : إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ « 1 » ، وقول الشاعر : 2073 - على أنّني بعد ما قد مضى * ثلاثون للهجر حولا كميلا « 2 » وقول الآخر : 2074 - فلا تلحني فهيا فإنّ بحبّها * أخاك مصاب القلب جمّ بلابله « 3 » ففصل بين « إنّ » واسمها بما يتعلق بخبرها ، ولو كان بغير الظرف لم يجز ، ألا ترى أنك لو قلت : « إنّ زيدا عمرا ضارب » على أن يكون « يدا » منصوبا ب « ضارب » لم يجز ، فإذا لم يجيزوا الفصل بين المضاف والمضاف إليه في الكلام بالظرف مع اتساعهم فيه في الكلام ، وإنما يجوز في الشعر ، كقوله : 2075 - كما خطّ الكتاب بكفّ يوما * يهوديّ يقارب أو يزيل « 4 » فألا يجوز بالمفعول به الذي لم يتسع فيه بالفصل أجدر ، ووجه ذلك على ضعفه وقلة الاستعمال أنه قد جاء في الشعر على حد ما قرأه ، قال الطّرمّاح :
--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية ( 22 ) . ( 2 ) البيت للعباس بن مرداس انظر الكتاب ( 2 / 158 ) ، المقتضب ( 3 / 55 ) ، الإنصاف ( 1 / 308 ) ، ابن يعيش ( 4 / 130 ) ، المغني ( 2 / 572 ) ، الخزانة ( 3 / 299 ) ، مجالس ثعلب ( 2 / 424 ) . ( 3 ) انظر البيت في الكتاب ( 2 / 133 ) ، الهمع ( 1 / 135 ) ، الأشموني ( 2 / 272 ) ، الدرر ( 1 / 113 ) ، الخزانة ( 8 / 452 ) ، المقرب ( 1 / 108 ) ، شرح ابن عقيل ( 1 / 349 ) . ( 4 ) تقدم .